ميديا

بوردينغ: رحلة السوريين بين القمع والمنفى بحثا عن آمان


بين الانتماء إلى وطن ينزف، والشعور المؤّنب للضمير بعدم تركه في لحظة مرض.

وبين البحث عن أمان بات مفقودا في ظل العسف والدمار والقتل، والرحيل نحو التيه، ثمة حدود لا مرئية أفظع من تلك الحدود التي يجتازها السوريون اليوم برا وبحرا وجوا في ظروف بالغة الصعوبة، حد وضع أرواحهم على مقصلة الموت طيلة رحلة محفوفة بالمخاطر التي لا ترحم.
إنها الحدود الساكنة في الروح، الفاصلة بين الحلم المشتهى والهاوية. حدود " اللاعودة للمكان والزمان وعلاقات الزمن الماضي حتما، وحدود المجهول بنفس الوقت".

هذه الحدود اللامرئية هي ما يبحث عنه المخرج السوري "غطفان غنوم" في فيلمه "بوردينغ" الذي حققه في اليونان وينتظر اليوم عرضه، محاولا من خلاله "رسم لوحة ما تحمل في إطارها العام كل مكونات المشهد السوري المؤلم ومجترحاته, حيث تغدو عملية البوردينغ عملية للانتقال نحو واقع آخر مختلف عن واقع التعسف الذي عانيناه في ظل نظام القمع" كما يقول لـ "حكاية ما انحكت".

الفلم الذي يسلط الضوء على قضية السوريين الهاربين من نظام القمع والموت في سوريا بحثا عن لحظة أمان في أرض تضيق عليهم يوما بعد يوم بفعل الحدود المنصوبة، لا يسعى لأن يغيّر "الذهنية السائدة والنمطية عن المهاجر السوري"، معتبرا أن "أي محاولة كهذه انتهاكا صارخا لكرامة الإنسان, لأنها تحمل في طياتها تبريرا وشرحا للذات الإنسانية العامة, وهذا ما أرفض أن أزج به الإنسان السوري والإنسان بشكل عام"، رافضا أن "يكون الإنسان فأرا لاختبار المشاعر"، لأن "الذهنيات السائدة الفاسدة تتناقض أساسا مع مبادئ حقوق الإنسان التي تؤمن بها فيما لو لم تحمل تعاطفا مع محنة المعذبين والمقهورين, ولذلك فأنا أريد للفيلم أن يكون رسالة واضحة مفادها: أيها العالم الحر, أنت وما تؤمن به حقيقة". وكأن الفنان يريد أن يواجه العالم كله من خلال فلمه، أن يدع كلا منا يحاكم نفسه ويتساءل عن موقعه هنا.

المخرج غطفان غنوم. المصدر: الصفحة الرسمية للفنان على الفيسبوك
المخرج غطفان غنوم. المصدر: الصفحة الرسمية للفنان على الفيسبوك

الفنان الذي يجد نفسه في مساحات السينما الروائية يذهب هنا نحو الوثائقية لأنها "سينما رصدية وتحليلية" قد تخدم رؤيته أكثر، مدركا بنفس الوقت أنه رغم أن السينما قد تكون "أداة للتحريض العام" ومساهمة في "قلب المفاهيم الراكدة"، لكنها "لا تتعدى في غالب الحالات شكل المساهمة الناعمة التي تنبذ العنف وتدينه, هكذا يمكن للسينما أن تكون محرضا باعثا للهمم نحو الحياة لا نحو الموت, نحو التجديد لا نحو التيبس والتكلس"، لتكون "أداة للتغيير البطئ" لا أكثر لأن "السينما أو أي فن آخر غير قادرة على إحداث تغيرات جذرية فورية حادة في بنية المجتمعات".

وأما عن سبب اختياره هذا الموضوع الذي قد يعتبره البعض ثانويا إذا ما قيس بما يحصل في الداخل ومخيمات اللجوء، يدافع الفنان عن نفسه أولا بوصفه مواطنا إذ يقول: "هل سيشفع لي قولي بأنني مواطن نال حصته من العسف؟" ثم بوصفه فنانا " عايش قولا وفعلا القصف والحصار والموت والرعب ؟" معتبرا أن عليه أن يكون وفيا لعينه السينمائية فـ "أنا أولا وأخيرا مخرج سينمائي يتعامل قبل الكاميرا بالأحاسيس, أيضا أنا مؤمن بقضية شعبي السوري وعدالتها, ولذلك أجدني في ظل هذا الصمت العالمي المخيف والاعتياد الخطير على رؤية النزيف السوري دون مبالاة, أجدني هارعا نحو تلّمس الزوايا التي تفضي لجسر الهوة الحاصلة بين معاناة شعبي ولا مبالاة العالم تجاهها".

الفلم الذي يمتد لمدة ساعة ونصف لم يموّل من أية جهة، ولم "يساندني أحد في إنتاجه لا من قريب ولا من بعيد"، الأمر الذي يجعل منه "رؤية فنية ذاتية أنتج بما يعادل 800 يورو فقط, تكفلت بها بنفسي بمعاونة بعض الأصدقاء المخلصين لتهيئة الظروف المساعدة للتصوير, أما المعدات والتقنيات فقد توليت الأمر بإمكاناتي الشخصية البسيطة المتواضعة"، الأمر الذي يعكس لنا واقعا مرا لسينمائيي اليوم الذين يدفعون من جيوبهم كي يحافظوا على استقلاليتهم من جهة، ويقوموا بواجباتهم تجاه قضية شعبهم من جهة أخرى، لأن الفنان الذي كان ذات يوم في المؤسسة العامة للسينما ترك كل شيء بحثا عن الحرية، دون أن يكون وصيا عليها، معتبرا نفسه أنه يمتلك "حيزا من الألم الشخصي الكبير الحقيقي بسبب فقدان الأهل والبلد ولذلك فلا أجدني وصيا على قضية كبيرة وعادلة كقضية السوري بل جزء منها".
هذا الجزء الذي يعمل الفنان على أن لا تفصل الحدود بينه وبين أهله، بين شعبه والعالم، بين حلمه وواقعه، لهذا كان "بوردينغ" سعيا لكسر تلك الحدود التي ترفع بوجه الإنسانية قبل أن ترفع بوجه السوريين.

هذا المصنف مرخص بموجب رخصة المشاع الإبداعي. نسب المصنف : غير تجاري - الترخيص بالمثل 4.0 دولي

تصميم اللوغو : ديما نشاوي
التصميم الرقمي للوغو: هشام أسعد