في خيارات الانتقال السياسي (4)


23 تشرين الثاني 2014

عمار ديوب

كاتب سوري مقيم في دمشق، يكتب في عدد من الصحف العربية منها الحياة والعربي الجديد.

إن وضع مخططات لشكل الانتقال السياسي في سورية، مسألة في غاية الخطورة، فهي عملية استشراف مسبقة لمستقبل مفترض وقد يكون وهمي بالكامل. فقد يفاجئنا الواقع بشكلٍ للانتقال لا ينطلق من الوقائع الراهنة، عدا أنّ تطوّرات هذه الوقائع مفتوحة على كافة الاحتمالات ومنها تحوّل سورية إلى دولة فاشلة. أي غياب دولة مركزية وحروب متعدّدة الأشكال؛ القومي والطائفي والمناطقي وهكذا. هذه المقالة مخصّصة لنقاش مسودة للانتقال طرحها مركز كارتر.

يتجرأ هذا المركز ومثقفين سوريين وسياسيين، على طرح مشروع قد يكون واقعياً، أما بخصوص منطقيته فهي سليمة ولا شك، كما هو حال كل نص منطقي، ولكن ليس بالضرورة أن يكون واقعياً، وربما مقطوع الصلة بالواقع كذلك.

هذه المسودة تناقش ثلاثة اقتراحات تخص دساتير سابقة وتعتمد على قراءةٍ لمبادئ جنيف، وتقترح مبادئ دستورية قد تساهم في أي عملية انتقال دستوري قادمة. فهل من أحد الدساتير يمكن الركون إليه لتنظيم العلاقة بين السلطات ومؤسسات الحكم القادمة؟

هل دستور 2012 والذي وضعه النظام ليعيد تأهيل نفسه، والادعاء بأنه حقق تغييراً دستورياً يراعي التغيرات العامة في المجتمع، وهذا ما تمسكت به، وربما ستتمسك به أطراف السلطة في أي تفاوض مع المعارضة وهو ما ظهر واضحاً في محادثات جنيف الثانية. وإن لم يتم التوافق عليه، وأغلب الظن لن يتم مطلقاً من جهة المعارضة، فلا بد من العودة إلى دستور 1950، فهو وضع بشروط سياسية أقرب "للديمقراطية"، وهناك جهات كثيرة توافق عليه في المعارضة وترشحه ليكون الدستور المقترح للتوافق عليه، متجاهلين وبشكل غير عقلاني كل التغيّرات التي حدثت منذ حينه وإلى الآن، عدا أنّ النظام بدوره يرفضه كذلك. ويبقى الخيار  المحتمل وهو الاعتماد على إعلان دستوري جديد، ويمكن التوافق عليه من خلال المحادثات ذاتها بين ممثلي المعارضة والنظام عبر جنيف جديد أو ما يوافقه. هذا هو الممكن الوحيد نظراً للهوة بين المتصارعين ولوحشية الحرب. نرجح ذلك مؤقتاً وبسبب خروج ما يجري في سورية في كثير منه من أيدي السوريين، وبالتالي فإن موازين القوى الداخلية لا تسمح بأي سقوط للسلطة ولا انتصار المعارضة، وبالتالي سيكون كل شيء في المستقبل وفق صيغة لا غالب ولا مغلوب.

أي أنه ووفق هذا الاحتمال، فإن الانتقال السياسي سينحكم لهذه القضية، وبالتالي لا يمكن العودة إلى دستور 1950 سيما وأنه وضع بما يناسب مرحلة تاريخية بعينها، ولا إلى دستور 2012 لكون النظام وضعه لتجديد سيطرته، وهذه المسودة توضح حجم السلطات الممنوحة في النصوص الدستورية التي تخوّل الرئيس الحالي، والتي تكاد تطيح بكافة السلطات والسلطة الرابعة معهم. وبذلك يلتغي دور الشعب في السيادة العامة وفي خلق الدستور، وتصبح السلطة "شورى" ومُشكّلة من شخصيات مهيمنة على الدولة برمتها وليس السلطة فقط..

الممكن كما أظن، صيغة جديدة، تكون نتاج الحوار بين وفدي السلطة والمعارضة، طبعاّ هذا إن كان التفاوض سيُعتمد كمبدأ للانتقال السياسي. مبادئ جنيف المرفقة هنا، توّضح وبشكل جيد كيفية الانتقال، بحيث تكون صيغة الهيئة الانتقالية هي الأساسية وبمثابة سلطة تنفيذية للمرحلة الانتقالية، وطبعاً سيتم التوافق على عدم ترشيح نفسها لأي انتخابات لاحقة، كي لا تتدخل المصالح الشخصية والحزبية وسوى ذلك في كافة القرارات التي ستتخذ للمرحلة التي تلي ذلك والتي ستصبح أقرب للسلطة المنتخبة شعبياً.

المسوّدة تقدم قراءات ممتازة في مراحل الانتقال السياسي في العديد من البلاد التي شهدت ثورات وحروب أهلية، وتركز على النجاح الكبير في كل من جنوب إفريقيا ونيكاراغوا. كان يفترض بالورقة توضيح لماذا كان النجاح هنا كبيراً بينما لم يكن كذلك في كثير من البلاد التي شهدت صراعات عنيفة. إسقاط نوعية الصراع والقوى المساهمة فيه من الأخطاء الكبيرة في أي بحث جاد، كي لا تعمّم نتائج خاطئة سلفاً وقد تكون صحيحة في بلدان بعينها فقط. الغريب كذلك أنّ الورقة تتجاهل عدم النجاح في اتفاقيات أوسلو مثلاً! رغم أن هذه الاتفاقيات برعاية الدول العظمى وهناك متابعة مستمرة ودون توقف لها! نجاح نيكاراغوا وجنوب إفريقيا عائد ليس لأهمية مقترحات مركز كارتر وما قدمه، ربما تكون لعبت دوراً ما، بل إلى وجود أطراف وطنية يسارية لها مصلحة حقيقية في الانتقال السياسي.

في سورية هناك تعقيدات كبيرة، فلا النظام يتجه نحو رؤية وطنية للحل ولا المعارضة. الاثنان لا يبحثان عن توافقات ومشتركات. الدول الإقليمية والدولية أيضاً لا تزال مختلفة بخصوص شكل الانتقال كذلك. أردت القول ما لم تشعر أطراف الصراع بالإفلاس الكامل لن تتجه نحو التفاوض كطريق وحيد للخلاص، أو في حال كانت هناك ضغوط دولية غير قابلة للتفاوض من قبل طرفي الصراع الرئيسيين. وهنا يصح كلام المسودة أنّ هناك أطراف ستحارب ولن تكون في أيّ تفاوض كالجهاديين والمليشيات التي شكلّها النظام أو بمعرفته.

ترى الورقة أنّ أيّة مفاوضات ستكون وطنية بامتياز، وتفترض أن تنطلق مما يخدم التشارك السياسي والمجتمعي، ويتم ذلك عبر محاسبات قانونية تشمل القتلة وتشمل المتضررين، ودستورياً سيكون ذلك عبر هيئات المرحلة الانتقالية. ما لا تنتبه إليه الورقة أنّ تعقيدات الوضع السوري أظنه أصبح يتطلب تدخلاً إقليمياً ودولياً واسعاً، وربما إنزال قواتٍ  أممية لصالح تطبيق بنود أي مرحلة انتقالية.

إن شكل التدخل الحالي كارثي وهو يؤجل مشروع التفاوض والانتقال، وهو معني فقط بمقاتلة داعش، عدا أن الأمر واقعياً يسمح لداعش بالتمدّد. فهو ليس لمحاربة داعش بل لترتيب شؤون الحكم في المنطقة وربما سيكون ترتيب نظام الحكم في سورية آخر مرحلة في سياق استراتيجية التحالف الدولي (الأمريكي)، وربما حينها سيبدأ التفاوض من جديد. ثم إن حدّة الحرب وما رافقها ووحشية المجازر والجهادية المتعاظمة، يجعلنا نفترض كما أظن تدخلاً أممياً كبيراً لمنع أي تفجرات مجتمعية جديدة، وهذا غير التدخل الحالي؛ السؤال من له مصلحة بذلك؟ سؤالنا لأن التحالف يستخدم حتى اللحظة القوات الجوية، وبالتالي لن تكون هي القوات الحامية لأي انتقال سياسي قادم.

هناك تخوفاً كبيراً أن يكون الانتقال السوري شبيه بما جرى في لبنان والعراق، وهذا سيتطلب وجود قوات أممية مستمرة لضمان ذلك ولسنوات ليست بالقليلة. وسيكون نظام الحكم أقرب لتمثيل الجماعات المسلحة، وربما تكون ممثلة للطوائف، أو للكرد. هذا يعني أن صيغة الانتقال السياسي ستكون أقرب للفدرالية، وستتهمش الميول المركزية فيها؛ وبامتزاج الفيدرالية هذه بالمكونات ما دون الوطنية والقومية، فإن المركزية لن تكون قادرة على إجبار المدن والأقاليم على تنفيذ قراراتها. بمعنى أخر ستكون المركزية خاضعة للأقاليم.

المسودة المناقشة تقدم قراءات لدول فشلت تقريباً عملية الانتقال فيها؛ فمثلاً اليمن حالياً تشهد معطىً جديداً، وأراضي ال 67 المحتلة فشلت فيها الاتفاقيات، وبالتالي ليس بالضرورة أن تعتمد الصيغ المقترحة كمبادئ للانتقال. طبعاً في نهاية الحرب لا بد أن تنتظم العملية السياسية وفق هذه المبادئ أو ما يشبهها؛ ولهذا نجد تشابهاً وتقارباً بين كثير مما يطرح لشكل الانتقال السياسي في سورية وسواها.

ما يُفترض عدم التنازل عنه، محاسبة القتلة من الطرفين، وفق قوانين مرجعيتها العدالة الانتقالية ودون تناقض مع منظومة حقوق الإنسان بكل ملحقاتها؛ والتعويض عن المتضرريين ولا سيما العاطلين عن العمل، وإشراك الشعب في إقرار أيّة نصوص دستورية تنظّم شؤون الحكم المستقبلي. وهناك ضرورة لحذف اسم العربية من اسم الجمهورية في سورية؛ فهي لا تفيد لا في تغيير التعداد القومي للسكان، وتنظر لها الأقليات القومية في سورية كتعبير عن شوفينية غير مبررة. وهذا الحذف ضرورة كي نتحرر من الإيديولوجيا القومية، وممارستها واقعياً من ناحية أخرى. أي أن كل عدمية قومية مرفوضة كما كل شوفينية قومية مرفوضة.

أضيف بأن  كل تأسيس للعملية السياسية ولصياغة الدستور وفقاً للطائفية السياسية، سيعزز من إمكانية الحروب المستمرة أو إيقافها مع إدارة البلاد على نيرانها واحتمال اندلاعها في كل لحظة، أو سيكون أسوأ الأنظمة السياسية لتغطية نهب الفقراء وسيسمح بالتبعية للدول الإقليمية والعالمية.

 يمكن النظر هنا إلى مآلات العراق ولبنان. وكذلك لا يمكن حصر حضور المرأة في إطار نظام الكوتا، وكأنّه يتم تأهيلها ككائنات أدنى من الذكر. المواطنة المتساوية الحقوق ولكافة الأفراد هي أساس الدستور، وأساس كل أي انتقال سياسي يسمح بعملية سياسية قابلة للحياة.

وننهي قراءتنا، بأنّ كافة أشكال الانتقال ستخضع لمصالح الطبقة البرجوازية المسيطرة وحلفائها الإقليميين والدوليين، ولن تكون حصة الفقراء فيها إلا بما يديم تلك السيطرة، وهذا لأنّ الفقراء لم يتشكلوا كقوة سياسية وقادرة على فرض مشروعها في الانتقال السياسي وفي العملية السياسية برمتها، وفي كافة المشاريع المعدّة لسورية ومنها مشاريع إعادة الإعمار، والتي ستكمل نهب ثروات السوريين وسورية، كما كانت تفعل الشرائح البرجوازية المشكلة للنظام وحلفائه الإقليميين والدوليين.

هذا المصنف مرخص بموجب رخصة المشاع الإبداعي. نسب المصنف : غير تجاري - الترخيص بالمثل 4.0 دولي

تصميم اللوغو : ديما نشاوي
التصميم الرقمي للوغو: هشام أسعد