تمثال الحرية الأمريكي إذ يخون السوريين


30 تشرين الثاني 2014

في الذاكرة الجمعية السورية، لم ترتبط الولايات المتحدة الأمريكية إلا بكونها "شرا" مطلقا، كنتيجة منطقية لسياسات الأخيرة في المنطقة خاصة فيما يخص دعم كل من الطغاة العرب وإسرائيل على مدى عقود طويلة، ولسياسة النظام السوري التي أعلت من شأن شعارات جوفاء لضبط الداخل بشعارات من نوع "محاربة الإمبريالية الأمريكية"، على اعتبار أن الأولوية اليوم لمحاربة العدو الخارجي المتربص على الأبواب، وهو العدو الذي عملت السلطة السورية على تضخيمه مما ألقى بظله على العقل السوري الذي لم ير في واشنطن إلا "عدوا محضا" إلى أن جاءت الثورة السورية التي تمرد بها الشعب السوري على ما حاول النظام غرسه فيه فكان أمام واشنطن فرصة أن تعود إلى روح "تمثال الحرية" وقيمه، و تصحح سياستها في المنطقة العربية لتلاقي طموحات السوريين الهاتفين للحرية، خاصة أن تصريحات أوباما بأن "أيام الأسد معدودات" لاقت ترحيبا لدى السوريين، الذين أملوا أن تعانق حريتهم روح التمثال الأمريكي الشهير.

إلا أن التحولات العميقة التي حفرت مسار الثورة السورية أدت لأن يكتشف السوريون أن أمريكا هي أمريكا الباحثة عن مصالحها بعيدا عن قيم الحرية التي زرعها مؤسسوها الأوائل، خاصة بعد صفقة الكيماوي التي عقدتها مع نظام الأسد، لتستيقظ ذاكرة السوريين مجددا على أمريكا التي تربّوا عليها، بعد أن تأكد لهم أنّها تتفرج كغيرها من القوى على خراب بلدهم وتفتته بل تدفع نحو ذلك، فصبّوا جام غضبهم وسخريتهم على السياسة الأمريكية من جديد، ولكن بطريقة لا تخلو من إبداع وطرافة وسخرية، حين اختارت تمثال الحرية الأمريكي لتسخر منه تارة وتنتقده تارة أخرى!

هذا الغضب تجلى عبر لوحات أبدعها الفنانون السوريون، تستوحي صورة تمثال الحرية الشهير لتقدّم فكرة الحرية السورية، مؤكدة أنّ ما تخلّت عنه سياسة أمريكا الحديثة بتحويلها الحرية إلى مجرد تمثال تحمله الحرية السورية الخارجة من رحم جغرافية الوجع السوري، كما تبين لوحة للفنان "جمال الجراح" حيث جذور الحرية الخارجة من الخريطة السورية تتمدد على كامل جغرافية العالم، وكأنه تقول: ما أضاعته واشنطن من روح تمثالها تعيد إنتاجه سوريا اليوم بأرواح أبنائها وهي تدفع يوما بيوم ثمن الحرية التي تعيقها سياسة صاحبة تمثال الحرية ( أمريكا).

لوحة للفنان جمال الجراح. المصدر: الصفحة الرسمية للفنان على الفيسبوك
لوحة للفنان جمال الجراح. المصدر: الصفحة الرسمية للفنان على الفيسبوك

النقد الذي قدمته اللوحات للسياسة الأمريكية كان حادا جدا في كثير من الأحيان، إلى درجة أن الفنان "وسام الجزائري" ألبس تمثال الحرية قناعا كيميائيا كسخرية من الصفقة التي عقدها أوباما مع الأسد على ظهر السوريين، حين سمح للأسد بالتنازل عن الكيماوي والاستمرار بقتل الشعب السوري بأسلحة أخرى، وكأن الموت بغير الكيماوي مسموح في العرف الأمريكي؟
في لوحته "الحلم الأمريكي" ذهب الفنان "مصطفى يعقوب" أبعد من ذلك، حين صوّر التمثال فوق جبل من الجماجم السورية، مؤكدا لـ "حكاية ما انحكت" أنه يستخدم "تمثال الحرية كرمز قوي باللوحات. وأعني فيه إسقاط لمعنيين: الأول هو كرمز للولايات المتحدة، والثاني كرمز للحرية نفسها. وأحيانا التنين سوا".

في لوحة أخرى للفنان "يعقوب" حملت عنوان "تمثال الحرية" نرى تمثالا مقلوبا يتدلى منه سلما ليصعد عليه الموتى، قائلا عن لوحته: "الشعوب هي التي تحاول الصعود من القسم السفلي المظلم والدكتاتوري إلى القسم العلوي المضيء بالحرية، في الوقت الذي تقصفنا فيه الطائرات. ونحن بطريق الصعود ولا تدعنا نكمل. أنا قدمت معنيين بهذه اللوحة. الأول: عام للحرية والشعوب وقصف الدكتاتوريات للشعب المطالب بها. والثاني: إسقاط مباشر على أمريكا نفسها لأنها تدعم الدكتاتوريات وتمنع العالم من الوصول لحريتها".

محاولة تذكير أمريكا بأنها تخون نفسها وقيمها وروحها قبل أي شيء آخر، هو معنى سيتكرر في الكثير من لوحات الفنانين السوريين، حيث رسم الفنان "ثائر معروف" التمثال وهو مغطى بقطع نقدية ممزقة، كدلالة على هيمنة المال والمصالح على القيم، وهو ما جعل شعلة الحرية الأمريكية تنطفئ كما بين الفنان "جمال الجراح في لوحة أخرى له.

ولكن بعيدا عن النقد الموجه للأمريكان، كان لتمثال الحرية لدى الفنانين السوريين استخدامه الخاص كرمزية تحيل على الوجع السوري المزمن، كما فعل الفنان "تمام عزام" حين استوحى تمثالا مبني من آثار الدمار السورية، وكأنه يقول: من هذا الخراب ستنبت زهرة الحرية السورية، لتعيد للتمثال معناه المبني من غبار الدمار وأرواح الشهداء الصاعدة نحو السماء بعيدا عن تمثال الحرية الأمريكي الذي بات برجوازيا أنيقا بامتياز إذا ما قيس بلوحة الفنان عزام.

لوحة للفنان تمام عزام. المصدر: الصفحة الرسمية للفنان على الفيسبوك
لوحة للفنان تمام عزام. المصدر: الصفحة الرسمية للفنان على الفيسبوك

من خلال لوحاتهم البسيطة التي تقتنص المعنى من تمثال الحرية الأمريكي انتقد الفنانون السوريون سياسة أمريكا في سوريا، وعبّروا عن شوقهم لحريتهم، مدركين أنها لن تكون دون زرع معنى الحرية من جديد في كل العالم، وهذا ما عبرت عنه بجمالية فائقة ورسالة ذكية لوحة الفنان "فارس غرابيطي" حين رسم تمثال الحرية وبيده شعلة الحرية، وكأنه هو الآخر يبحث عن الحرية التي ضيّعتها أمريكا في مسارها الإمبريالي الطويل.

هذا المصنف مرخص بموجب رخصة المشاع الإبداعي. نسب المصنف : غير تجاري - الترخيص بالمثل 4.0 دولي

تصميم اللوغو : ديما نشاوي
التصميم الرقمي للوغو: هشام أسعد