إجراءات تحقيق النهج الشامل للعدالة الانتقالية في سوريا ما بعد النزاع

إجراءات تحقيق النهج الشامل للعدالة الانتقالية في سوريا ما بعد النزاع

كاتي الحايككاتي الحايك

كاتبة سورية ناشطة في مجال المرأة وحقوق الإنسان والطفل، ومتخصصة في السياسات الإعلامية

بقلم .

 

 

تهدف إجراءات العدالة الانتقالية لجبر ضرر تركات الانتـهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي. وقد تطورت استراتيجيات ومفاهيم العدالة الانتقالية مؤخراً لتضمن نهجاً شاملاً يكفل المساءلة وإقامة العدالة وتحقيق المصالحة في مجتمعات ما بعد النزاع والاستبداد. يتضمن هذا النهج الشامل للعدالة الانتقالية، وفقاً لقرار مجلس حقوق الإنسان القرار 7/18، العمل نحو تحقيق أربع مكونات: الاعتراف، الثقة، المصالحة، وتعزيز سيادة القانون بما يساعد في منع تكرار الأزمـات وانتهاكات حقوق الإنسان في المستقبل.

وبالتحديد، يصب تطبيق النهج الشامل للعدالة الانتقالية في خدمة العدالة وضمان المساءلة وتوفير سـبل الانتـصاف  للضحايا، وتعزيز التعافي والمصالحة، وإنشاء رقابة مستقلة عن النظام الأمني، وإعادة الثقـة بمؤسسات الدولة.

يهدف هذا المقال إلى تقديم رؤية استشرافية لكيفية تحقيق النهج الشامل للعدالة الانتقالية في الحالة السورية، وإلى إبراز دور تدابير العدالة الانتقالية في تحقيق الاعتراف بالضحايا من كل الأطراف وتعزيز الثقة بين أفراد المجتمع السوري على المدى القريب، ومن ثم تحقيق المساهمة في المصالحة وترسيخ سيادة القانون على المدى البعيد. يتناول المقال أيضاً أهمية مراعاة الآثار المختلفة لانتهاكات حقـوق الإنـسان على الرجال والنساء والأطفال في سوريا، وكيف يجب مراعاة هذا الاختلاف عند تصميم وتنفيذ النهج الشامل للعدالة الانتقالية في سوريا ما بعد النزاع؟

يمكن البدء بالتنفيذ الناجح للنهج الشامل للعدالة الانتقالية في سوريا في المرحلة الزمنية المستقبلية عندما تتوفر الشروط الثلاث التالية:

أولاً: أن يتم التوصل إلى اتفاقية سلام بين جميع الأطراف المتنازعة.

ثانياً: أن يتم الحفاظ في سوريا ما بعد النزاع على مؤسسات الدولة بحيث تكون هذه المؤسسات قادرة على تطبيق القانون في كامل الحيز الجغرافي للدولة السورية.

ثالثاً: أن تقوم الدولة السورية المستقبلية بإجراءات إصلاحية واسعة ليس فقط لتحقيق العدالة الجنائية والسياسية ولكن أيضاً لتحقيق العدالة الاقتصادية بما يشمل ذلك من محاربة للفساد وتأمين فرص اقتصادية للمواطنين\ات خاصة في المناطق المهمّشة والفقيرة والأكثر تضرراً من النزاع المسلح.

إذا توفرت هذه الشروط الثلاث في الدولة السورية ما بعد النزاع، عندها يمكن لهذه الدولة أن تبدأ بتنفيذ الإجراءات الأربعة للعدالة الانتقالية.

أوّل إجراء يتوّجب على الدولة اتخاذه في هذا الصدد هو الاعتراف بانتهاكات حقوق الإنسان التي تعرّض لها ضحايا الصراع السوري. هكذا اعتراف ينطوي على اعتبار المواطنين\ات السوريين\ات ضحايا الانتهاكات أصحابَ  حقوقٍ انتُهكت من قبل الدولة أو تحت إشرافها. وهذا الاعتراف بالضحايا كأصحاب حقوق يميّز قانونياً ومعنوياً ضحايا النزاع في سوريا عن ضحايا الكوارث الطبيعية في بلدان وسياقات أخرى، ويُمكّن ضحايا النزاع السوريين\ات، من تقديم طلبات للمساءلة القانونية والتعويضات المادية والمعنوية عن الضرر الذي أُلحق بهم\ن.

الإجراء الثاني الذي  يتوّجب على الدولة السورية في فترة ما بعد الصراع اتخاذه هو تعزيز الثقة بين المواطنين\ات السوريين\ات من جهة، وبين المواطنين\ات ومؤسسات الدولة السورية من جهة أخرى. في الحالة السورية فقدت شريحة كبيرة من المواطنين\ات الثقة في الدولة ومؤسساتها، لذا فبناء الثقة من جديد بمؤسسات الدولة يتطلّب بناء أسس ومعايير هذه المؤسسات على أساس كبير من الشفافية بما يولد شعور لدى المواطنين\ات بأن الدولة ومؤسساتها تمثل مصالحهم وقادرة على تعويضهم عن الانتهاكات التي تعرضوا لها من خلال ملاحقة ومحاسبة مرتكبي هذه الانتهاكات.

بالمقارنة بين الإجرائين الأول والثاني يشكل الإجراء الثالث تحدياً أكبر للدولة السورية في فترة ما بعد الصراع، فالإجراء الثالث للنهج الشامل للعدالة الانتقالية يتعلق بتحقيق المصالحة بين المواطنين\ات السوريين\ات من كافة الأطراف المتنازعة بوصفهم\ن أفراد أصحاب حقوق متساوية. هذا الإجراء يستغرق وقتاً طويلاً لتثمر نتائجه إن نجح، و يتطلب تنفيذ مجموعة من الاستراتجيات التي تساعد الأفراد على التصالح مع ماضٍ قاسٍ ومؤلمٍ من التمييز والانتهاكات وفقدان الأحبّة. أمثلة عن هكذا استراتجيات تشمل إصلاح النظم التعليمية والتربوية لنشر ثقافة التسامح والمساواة وإقامة نصب ومتاحف تذكارية لإحياء ذكرى الأحداث المأساوية.

يتمحوّر الإجراء الرابع والأخير للنهج الشامل للعدالة الانتقالية حول تعزيز سيادة القانون بما يصب في خدمة الهدف الأكبر وهو تعزيز نظام اجتماعي عادل في سوريا ما بعد النزاع. وهذا الإجراء لا يقتصر فقط على التطبيق الحرفي للقانون بل يتخطى ذلك ليشمل مجموعة متكاملة من الإجراءات لتحقيق العدالة الاجتماعية كإصلاح الدستور والقوانين التمييزية، والسعي لتصميم وتنفيذ برامج اقتصادية وإنمائية، والقضاء على تركة الاستبداد والتهميش في الوظائف الحكومية. وتتضمن إجراءات  تعزيز سيادة القانون إطلاق عمليات للبحث عن الحقيقة واكتشاف مسببات فشل الدولة والقانون في حماية الأفراد من مآسي انتهاكات حقوق الإنسان، وعقد محاكمات جنائية لكل من تثبت الدلائل تورطه في ارتكاب انتهاكات فردية أو جماعية ومن ثم المعاقبة والتسريح الفوري لمرتكبي الفظائع. ويعد دعم وتعزيز استقلالية المنظمات المستقلة غير الحكومية جزء أساسي من ضمان تعزيز سيادة القانون.

يعتمد تحقيق النهج الشامل للعدالة الانتقالية في سوريا ما بعد النزاع على مراعاة الآثار المختلفة لانتهاكات حقـوق الإنـسان على الرجال والنساء والأطفال عند تصميم وتنفيذ الإجراءات الأربعة الآنفة الذكر. فمنذ بداية تصميم أي إجراء للعدالة الانتقالية يجب أن يتم التشاور مع ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان والاستماع لتجاربهم\ن ومعاناتهم\ن واحتياجاتهم\ن ومحاولة تضمين هذه التجارب والاحتياجات في التخطيط والتنفيذ لكل خطوات العدالة الانتقالية. فمثلاً يمكن للضحايا وأسرهم أو المنظمات التي تمثلهم أن تكون شريكاً في لجان البحث عن الحقيقة. إضافة لذلك يجب مراعاة آثار النزاع وانتهاكات حقوق الإنسان على الأفراد وفقاً لجنسهم وعمرهم. فالجرائم المتعلقة بالحرب كالاختطاف والتعذيب والاغتصاب تؤثر بشكل مختلف على النساء والرجال والأطفال. فبكثير من الأحيان يتم استخدام اغتصاب النساء كسلاح من أحد أطراف النزاع ضد الطرف الآخر، لكن هذا لا يعني أن الرجال وحتى الأطفال الذكور لا يتعرضون للاغتصاب وجرائم الحرب الجنسية. غالباً ما يتعرض كثير من الرجال والأطفال الذكور لجرائم جنسية في إطار النزاع المسلّح ولكن مفاهيم اجتماعية جديد حول الرجولة والعيب تمنعهم من الإفصاح عن ذلك، لذا يجب على إجراءات العدالة الانتقالية مراعاة تجارب ومعاناة هكذا شرائح وتأمين الدعم والحماية وسبل التعويض التي تناسب كل حالات الانتهاكات المختلفة.

إن طريق تحقيق إجراءات النهج الشامل للعدالة الانتقالية في سوريا ليس سهلاً بل هو طريق طويل ومعقد ومتشعب. هذا المقال كان محاولة للإضاءة على بعض الشروط الأساسية لتوفر البيئة المناسبة للبدء بالتنفيذ الناجح للنهج الشامل للعدالة الانتقالية في سوريا. فدون التوصل إلى اتفاقية سلام تضمن التوقف الشامل للعنف والحفاظ على مؤسسات الدولة وتقر بضرورة الإصلاح الاقتصادي، لا يمكن التأمل بتحقيق عدالة انتقالية شاملة تضمن الاعتراف بالضحايا من كل الأطراف وتُعزز الثقة بين أفراد المجتمع السوري على المدى القريب، ومن ثم تُحقق المصالحة وتُرسخ سيادة القانون على المدى البعيد.

 

 

شارك المقالة: