الحرب ضد داعش: ثورة ثانية أم تصحيح للمسار أم مجرد تجاذبات خارجية؟


17 كانون الثاني 2014

رغم أن هجوم المعارضة العسكرية ضد تنظيم دولة "العراق والشام الإسلامية" المعروفة باسم "داعش" تسارعت مؤخرا لتطغى على كل وسائل الإعلام، إلا أن الثورة ضدها بدأت عمليا قبل ذلك بكثير على شكل احتجاجات واعتصامات ولافتات رفعت بوجه الخطأ والانحرافات والجرائم التي نفذها هذا التنظيم وغيره، لنكون أمام حقيقة تقول بأسبقية الانتفاضة والمقاومة المدنية السلمية ضد داعش على الثورة المسلحة ضدها الآن، كما حصل سابقا ضد النظام حين بدأت الثورة سلمية وانتهت مسلحة، وقد كنّا في "سيريا أنتولد Syria untold" سلّطنا الضوء أكثر من مرة على انتهاكات داعش وعلى المقاومة المدنية السلمية سواء في الرقة أو حلب.

إلا أن "عدم حاجة النشطاء للتخفي في المناطق المحرّرة جعلهم عرضة للملاحقة من قبل داعش" كما يقول الناشط الكردي "هوزان ابراهيم" مكّن داعش من تحجيم النشاط السلمي وغدره، إلى أن بدأت المعارضة حربها ضد داعش فعادت التظاهرات و الاعتصامات و المقاومة المدنية لتكون سند "المقاومة المسلحة"، معيدة التذكير بأهداف الثورة و مؤكدة على طرد من لا يقبل بسوريا لكل السوريين، وهو ما أكدته الشعارات التي أكدت على الوحدة العربية الكردية " حرية آزادي: بدنا راس البغدادي" وعلى التلازم بين الاستبدادين الداعشي والأسدي: " قاوم داعش والأسد. السوري حر للأبد" و "والأسد وداعش واحد"، و "الجيش الحر للأبد دايس داعش والأسد". وقد امتدت التظاهرات في معظم الأحياء المحررة في مدينة حلب كصلاح الدين وبستان القصر والكلاسة  والمشهد والأنصاري، وكذلك في الرقة.

تنسيقة التآخي الكردية التي كانت من أوائل المحتجين ضد "داعش" سابقا، ومن أوائل من نظّم التظاهرات ضدها في حي الأشرفية في حلب (4-1-2014) تحت عنوان المطالبة بالمعتقلين وتشجيع "الجيش الحر" لدعم معركته ضد داعش , اعتبرت على لسان المنسق العام الناشط "جيفارا نبي" أن " ما يحصل اليوم في حلب هو نتيجة حتميّة لتراكمات الانتهاكات المفجعة من قبل داعش. فلتكن نهاية هذا البعبع درسآ لمن يفكّر أن يتمادى ويحاول النيل من ثورة الكرامة. وبدايةً ليعيد الناشطون للحراك المدني ثقله وكسب ثقة الشارع من جديد لأنّ أمامنا الكثير من الدواعش بعد وبأشكالٍ مختلفة ومقيتة".

لافتة ضد الأسد وداعش مرفوعة في بستان القصر والكلاسة. المصدر:الصفحة الرسمية لـ نحو وطن عصري ديمقراطي علماني على الفيسبوك
لافتة ضد الأسد وداعش مرفوعة في بستان القصر والكلاسة. المصدر:الصفحة الرسمية لـ نحو وطن عصري ديمقراطي علماني على الفيسبوك

ويعتبر نبي أن الثورة لن تكتفي بداعش بل "ما زال لدينا الفرع الأصلي جبهة النصرة والهيئة اللاشرعية"، مخاطبا إياهم: "ما نسينا انتهاكاتكن بحق الثورة والناشطين.الفتن قادمة حضروا حالكون" يقول ممازحا لموقعنا "سيريا أنتولد Syria untold".

هذا الأمر انقسم حوله الناشطون والتنسيقيات، بين من يرى أن الثورة هي ضد داعش فقط بسبب ممارساتها الهمجية وبين من يرى أنه لا بد من استكمال الثورة لتشمل كل التنظيمات ذات الصبغة الإسلامية ( النصرة، الجبهة الإسلامية، جيش المجاهدين، جببهة ثوار سوريا" وبين من اعتبر أن الثورة انتهت عمليا، كما تقول الإعلامية "ميس قات" التي ترى أن "ما حصل مؤخرا بخصوص الهجمة الكبيرة على داعش يصب في خانة التجاذبات السياسية. فمنذ أسابيع قليلة كان "الثوار" يطلقون على المناطق التي تسيطر عليها داعش "مناطق محررة" لا أكثر.  واليوم يقومون "بتحريرها" من داعش نفسها!"، معتبرة أن "الثورة انتهت منذ زمن برأيي وما يحصل هو مجرد مقتلة!".

وهنا يرى الطبيب الميداني والناشط "علي دياب" أنه "لا نستطيع أن نقول أن هناك حاجة لثورة ضد النصرة والكتائب الاسلامية بقدر ما هناك ضرورة للتأكيد على نهج الثورة وتصحيح المسار وهذا التقويم سيكون تحصيل حاصل بعد معركة داعش"، في حين ترى "نانسي أحمد" أن "الثورة ضد داعش يجب أن تكون تصحيح لمسار الثورة. ما ينطبق على داعش ينطبق على غيرها من الجهات المتطرفة، فتقاتلهم مع بعضهم لا يعني أنهم يملكون نفس الإيديولوجيا التكفيرية وهم ضد حرية وحقوق الإنسان التي قامت الثورة من أجلها أصلاً".

وترى الإعلامية "فاديا أبو زيد": "ليس الحرب ضد داعش هي الصحيح أو الخطأ، بل وجود داعش بالأساس هو الخطأ، مثلها مثل باقي المكونات التي تم تشكيلها على أساس إسلاموي متطرف. لن يتصحح مسار الثورة إلا بإزالة كل تلك المكونات. وهذا لن يحصل إلا اذا عادت الثورة لأيدي السوريين، لأنها خرجت من أيديهم حين دخل هؤلاء ودخلت معهم أجنداتهم المدمرة للثورة ولأي حلم ببناء دولة ذات سيادة".

غرافيتي على جدران حلب. المصدر: صفحة الناشط غيفارا نبي وتم التأكد منها
غرافيتي على جدران حلب. المصدر: صفحة الناشط غيفارا نبي وتم التأكد منها

الحرب ضد داعش أعادت الجدل حول السلمية والعسكرة مجددا بين الناشطين والتنسيقيات والثوار، حيث اعتبرت "ميس قات" أن الأصوات المدنية التي تظهر بين الحين والآخر هي محاولات خجولة للحفاظ على قيم  الحرية والديمقراطية  التي خرج السوريون المدنيون مطالبين بها منذ شهور طويلة". في حين يرى الكاتب "دلير يوسف" أن التظاهرات الأخيرة " تدل على مدنية الشعب السوري وعلى قدرته على مواجهة أشرس المجرمين بطرق مدنية وحضارية وعلى قدرة هذا الشعب على الإبداع تحت أصعب الظروف"، معتبرا أن "الثورة قامت ضد الأخطاء، ضد نظام مُلئ بالأخطاء، لذلك ستقوم الثورة ضد كل من ينتهك أو يحد من حرية الشعب، إذ لا يمكن لشعب ثار ضد الأسد أن يستكين لظالم آخر".

وترى الناشطة المدنية والباحثة بالعلوم السياسية "عفراء سليمان" أن عودة النشاط السلمي "يذكر بالأيام الأولى للثورة عندما كانت الثورة أنقى و بيد أبناء سورية. شخصيا لا أؤمن إطلاقا أن العمل المسلح من الممكن أن يؤدي إلى سلام أو حياة أفضل، و لا أعتقد أنّه يعجل في حسم الصراع و يختصر الخسائر كما يدعي أو يعتقد أنصار العمل المسلح. وما جرى منذ تحول الثورة إلى العمل المسلح يثبت ذلك".

الحرب ضد داعش، سواء كانت ثورة أخرى داخل الثورة أم تصحيح لمسار الثورة أم نتاج تدخلات دولية وتلاعبات إقليمية، أثبتت رغم كل شيء عدة أمور أهمها: أن السوريين الذين ثاروا ضد النظام لن يسكتوا بسهولة ضد أي "ظلم آخر" حتى لو جاءهم باسم الثورة، و أن التيار المدني السلمي الذي ظن الكثيرون أنه مات وخبا مازال موجودا رغم ضعفه، وأن انتهاء العسكرة أو فرض حل بالحد الأدنى سيمنح هذا التيار الفرصة للتحرك مجددا فهو يتعلّم من أخطائه ويثبت في كل طور من أطوار الانتفاضة أنه لازال موجودا على الأرض.

 

 

هذا المصنف مرخص بموجب رخصة المشاع الإبداعي. نسب المصنف : غير تجاري - الترخيص بالمثل 4.0 دولي

تصميم اللوغو : ديما نشاوي
التصميم الرقمي للوغو: هشام أسعد