"سينما، ثورة": مسافر لا يكف عن الترحال بحثا عن الحرية


17 تشرين الثاني 2013

لم يتوقع منظمو "مهرجان سوريا الحرة السينمائي" حين انطلقوا به أن يقيم دورته الثالثة افتراضيا، إذ كان أملهم آنذاك أن مهرجانهم الأول سيكون الوحيد/ الأخير لينتقل بعدها إلى "دار الأوبرا في دمشق" حيث يحلمون، إلا أن الواقع عاند أحلامهم الساعية لخلق سينما حرة تولد مع رياح الحرية التي طرحتها انتفاضتهم، لأن "التغيير الذي طالب فيه السوريون يصيب كافة مفاصل حياة السوريين بدءاً بالفردي وصولاً إلى المؤسسات".

 فكرة المهرجان بدأت حين أعلنت المؤسسة العامة للسينما تأجيل مهرجان دمشق السينمائي في دورته الـ 19 (2011) ليبدأ أربعة ناشطون ببلورة أسس مشروع بديل في حرب استبدال مؤسسات الحرية بمؤسسات الاستبداد، حيث أطلقوا بيانهم الأول ( 16/12/2011) الذي جاء فيه "قررنا نحن مجموعة من شباب سوريا الحرّة, إلغاء قرار تأجيل "مهرجان دمشق السينمائي" وإطلاق "مهرجان سوريا الحرّة السينمائي" كبديل عنه، يكون من وحي الثورة السورية"، الأمر الذي دفعنا في "سيريا أنتولد Syria untold" للوقوف على تفاصيل الحكاية منذ ولادتها حتى الآن.

يعمل اليوم فريق المهرجان المؤلف من "شابتان وشابان. أحدنا مختص في تقييم الأعمال السينمائية، والآخر في مجال الكمبيوتر وشابة مصممة والأخرى مترجمة" على استقبال الأعمال التي ستشارك في الدورة الثالثة للمهرجان الذي سيبدأ أعماله في 21/12/2013 وينتهي في 27 منه افتراضيا على صفحة المهرجان على الفيسبوك، حيث "نقوم بإرسال دعوات إلى المخرجين والجمعيات والمنظمات الأهلية كي تشارك بأفلامها" كما يقول أحد منظمي المهرجان في حوار لنا معه.

مخطط عمل مهرجان الدورة الثالثة. المصدر: الصفحة الرسمية للمهرجان على الفيسبوك
مخطط عمل مهرجان الدورة الثالثة. المصدر: الصفحة الرسمية للمهرجان على الفيسبوك

آلية عمل المهرجان تقوم على استقبال الأفلام قبل شهرين من بدء المهرجان، حيث  "نقوم بحملة نعلن فيها عن اقتراب موعد المهرجان وعن جهوزيتنا لاستقبال الأفلام وتاريخ بداية المهرجان. ذلك عبر صفحة المهرجان على الفيس بوك. كما نقوم بدعوة الصفحات ذات الصلة لنشر بوستر المهرجان كي يصل إلى أكبر عدد ممكن من الأشخاص على صفحات التواصل الاجتماعي. بعد ذلك ننشر الشروط لقبول الأفلام ومخطط خعمل المهرجان"، ليتم بعدها  تقييمها من قبل الشباب الأربعة دون أن يفرضوا وجهة نظرهم، فنحن "لا نرفض الأفلام التي لا تتناسب مع ذوقنا السينمائي إذْ نرى أنه من حقها(الأفلام) أن يراها الجمهور ويصوّت عليها طالما أن الجمهور هو لجنة التحكيم"، لهذا يتجاور في المهرجان أفلام "من أجناس سينمائية مختلفة كـ الوثائقي والروائي والأنيميشن" ليقفل باب المشاركة قبل خمسة أيام من بدء المهرجان، وثم " قبل يومين أو ثلاثة نقوم بنشر برنامج الأفلام المشاركة المتنافسة في المهرجان. وفي هذه الأثناء نقوم بحملة على صفحة المهرجان نشرح من خلالها أهمية "الصوت" الذي يمنحه الجمهور لهذا الفيلم أو ذاك وعدم التفريط به على أساس الصداقة أو المناطقية أو ما شابه"، ليبدأ عرض الأفلام كل يوم على مدى أربعة أيام واختيار الفلم الفائز في كل يوم، وفي اليوم الخامس يتم عرض الأفلام الفائزة وطرحها مجددا للتصويت لمدة يومين لاختيار الفلم الفائز منها.

https://www.youtube.com/watch?v=BhD4FWXEUdc

إلى جانب المهرجان السنوي أطلق المنظمون أربع تظاهرات سينمائية على مدار العام  بين المهرجانين، إلا أنه تم إيقافها هذه السنة لأن "التفاعل كان أقل مما هو مطلوب والأسباب مرتبطة بصعوبة وفداحة ما يجري على الأرض في بلدنا. فقررنا إيقاف التظاهرات ريثما يتسنى لنا إقامته على الأرض" مشبّهين عملهم بمن "يقوم ببروفا طويلة أو كمن يُحضّر رسالة ماجستير على ورق منتظراً الوقت المواتي كي يُطلقه على الأرض"، غير عابئين بالعوائق الأمنية "التي تمنعنا من أن نتحرك ونشتغل بحرية" إلا أنهم يبقون في مأمن  "لأن المشروع لم يُقم إلى الآن على الأرض"، مضافا لها العوائق المادية القليلة كون "مشروعنا غير مُكلف فهو قائم على فكرته ولا نطلب من أحد أن يموّل كي لا ندخل في متاهات قد تُبعدنا قليلاً أو كثيراً عن هدف المشروع".

يفرد المهرجان مكانة خاصة لأفلام الشباب الجدد وتلك القادمة من الداخل والمصوّرة أحيانا بكاميرا موبايل شخصي، نظرا لوجود علاقة حميمية بين مهرجانهم و كاميرا الموبايل التي يعتبرها القائمون على المهرجان " أداة شرطية معرفية لمعرفة ما يجري على الأرض. صار الموبايل إكسسوار متعدد الاستعمالات على خشبة مسرح اسمها سوريا"، إضافة إلى كون ما جعل فكرة مهرجانهم تتبلور أكثر فأكثر "هم الشباب النشطاء الذين صوّروا بموبايلاتهم بدايات الثورة: مظاهراتها ومطالبها ووثقوا انتهاكات النظام التي فاقت حدود الصورة والتصوّر"، ليبقى مؤسسو المهرجان أوفياء لمن منحهم فكرة مهرجانهم الذي بدأ دورته الأولى بـ 12 فيلما و الثانية بـ 20 فيلما، "وهذا يعني أننا نخطو إلى الامام. أما بخصوص هذه السنة فإننا نتمنى أن يزيد عدد الأفلام المشاركة كمّاً نوعاً".

شعار كل مهرجان يتماهي تقريبا مع التحولات الحاصلة على صعيدي السينما والواقع، لذا جاء شعار المهرجان الأول "السينما في ساحة الحريّة" تماهيا مع توّحد السينما مع عرس الحرية التي ينسجها السوريون، في حين كان شعار المهرجان الثاني (16/12/2012) "ثــــــورة ســـــينما" كتكريم "للسينمائيين الشهداء".

https://www.youtube.com/watch?v=iXSMq9hcoEs

وهنا تأتي الأفلام المشاركة في كل دورة لتعبّر عن روح هذا الشعار دون أن تلتزم به كليا، ففي الدورة الأولى شاركت أفلام "حريّة" للمخرج فيليب حوراني، و"الجنس البشري" للمخرج محمد خير دياب، و "كان ياما كان ماعاد في مكان" فكرة التوأم ملص، و"ويبقى بابا عمرو" لأحمد ديز، و "قصة سوريّة قصيرة" لمحمد عمران و "جحيم الأرض" لمحمد خير دياب، و"حدود الرمادي" لبسيم الريّس و"حذاء الجنرال" لأكرم الآغا، و"أطفال الحرية" لروش عبد الفتاح، و"انتباه" لأكرم الآغا، و "Faith’s Rebirth" لزينة ارحيم، و "تحت السجادة" لأحمد ديز، حيث فاز فلم "جحيم الأرض" لمحمد خير دياب، وفي الدورة الثانية فاز فلم "تحت الحصار" لأبو ملهم مازن الخيرات.

رغم انحيازهم الواضح لأهداف السوريين في الحرية والكرامة، إلا أنهم مصرون على أن يبقوا أمناء أيضا لرسالتهم السينمائية فـ " ليست غايتنا مواجهة الحل العسكري ولا دعمه. الفن غايتنا وهذا لا يغيّر من قناعاتنا بأن العسكرة لم تكن خيار الشعب السوري وإنما فُرضت عليه" ساعين لأن يصبح الفن "حاجة ملحة كالخبز والماء. لكن مع التغيرات التي طرأت على مسار الثورة فيما اصطلح على تسميته بـ " مرحلة العسكرة" شعرنا بواجب أكبر للاستمرار والمضي في مشروعنا كي نساهم في أن يوازن الجمال القبح... يعني صارت السينما حاجة ملحة في ظرف غير مواتي وهذه إحدى مفارقات الثورة السورية!".

https://www.youtube.com/watch?v=FJki3rZxZAA

في ظل انهماكهم اليوم في وضع اللمسات الأخيرة على الدورة الثالثة للمهرجان الذي سينطلق بتاريخ 21/12/2013 يحلم المنظمون بأن يقام مهرجانهم "كبديل عن "مهرجان دمشق السينمائي السلطوي" ليجمع كل مبدعي سوريا ويُقام في دورته الأولى في دار الأوبرا الدمشقية ويتزامن مع فعاليات في كل المحافظات السورية"، مؤمنين بأنه "اليوم الفن السينمائي السوري كثورته يُولد بأثمان باهظة لكن في نهاية النفق ستعود العربة إلى سكتها" وتولد الحرية التي تشكل أحد شروط انتعاش الفن السينمائي السوري.

هذا المصنف مرخص بموجب رخصة المشاع الإبداعي. نسب المصنف : غير تجاري - الترخيص بالمثل 4.0 دولي

تصميم اللوغو : ديما نشاوي
التصميم الرقمي للوغو: هشام أسعد