حكاية مظاهرة: عندما تعلمت أم إبراهيم فن الخط

 

قبل الانتفاضة السورية، كان دخول أناس أغراب إلى الخالدية يلفت الأنظار ويستلزم انتباه الناس، لا لشيء سوى لأن الحي المعارض للنظام والمحسوب على لون مذهبي واحد، والذي عزله النظام وأهمله منذ عشرات السنين كسائر أحياء حمص القديمة، يعرف الجميع فيه الجميع.

كان هذا قبل الانتفاضة، فكيف وقد بدأت اللهجة الطائفية تعلو في حمص بعد أشهر من انطلاق الانتفاضة؟ وصار الحديث اليومي لأبناء الحي يدور حول احتمال الاشتباك مع أبناء أحياء الزهراء وعكرمة ووادي الذهب بسبب احتضانهم لمدرعات جيش النظام؟ كيف ستدخل مجموعة من الفتيات والشبان القادمين من أحياء الزهراء وعكرمة للتظاهر؟

 تراوحت ردود أفعال المسؤولين عن تنظيم المظاهرات وحماية الحي بين الشك في أن يكونوا مخبرين لدى النظام والاستعداد لاستقبالهم وحمايتهم. في النهاية قَبِلوا بالأمر مترددين بهدف أن تمتد رقعة التظاهرات فتشمل أحياءهم ويسقط النظام دون مزيد من الدماء.

في بيت أم إبراهيم – وهي طبيبة أسنان من الخالدية – التمت مجموعة من الشبان والفتيات: حنين وسمير وعلي وسلام، كانوا بانتظار وصول باقي أفراد (تجمّع نبض للشباب المدني السوري)، ووصول الخطّاط (أبو عبدو) إليهم، فقد اشترت أم إبراهيم مجموعة من اللوحات البيضاء وأقلام التخطيط من مكتبة الحارة. أما العبارات التي أرادت المجموعة تخطيطها فلم يكن جُهز منها شيئاً بعد..

موعد المظاهرة يقترب، وشدة الحر في هذا اليوم الرمضاني: 14/8/2011 لا تسمح للناس الذين بدؤوا يتجمعون بالقرب من حديقة (العلُّو) بمزيد من الانتظار.

ما إن وصل الخطاط الستيني حتى تحوّل البيت إلى ورشة عمل، وأصبح كل من الموجودين يقترح عبارة خزّنها في ذاكرته لتُرفع في المظاهرة،  كانت أم إبراهيم واقفة بالقرب من الخطاط تراقب عمله وتشرد بعيدا في ذاكرتها، وكل من الموجودين يقترح عبارة. قالت سلام: “ثر على هذا النظام واعصف ببانيه وقوِّض من حوله الأسوارا”، وقال سمير: “الأرض لكم فقدّسوا الحرية حتى لا يحكمكم طغاة الأرض”،

 

وبعد كل عبارة يقوم الخطاط بكتابتها بتخطيطها بسرعة واحتراف يتولى إبراهيم-الذي لم يشترك في مظاهرة من قبل- بمهمة تنشيفها بالقرب من المروحة العتيقة في المنزل، وفجأة أمسكت أم إبراهيم بإحدى اللوحات البيضاء وتنحّت جانباً وبدأت بكتابة عبارة “لا للتعسف والديكتاتورية، نعم للديمقراطية والمواطنة الحقة”، وكأنها تخطّ أحرفها الأولى، كطفلة تكتب للمرة الأولى، فللكتابة بحرية طعم مختلف!

 

كانت تخط العبارة بتمعن واهتمام بالِغين وكأنها نسيت كل ما حولها وامتزجت بأفكار بعيدة، تخط الحرف ببطء شديد ثم تتأمّله لثوان، وبعدها تتنتقل إلى الحرف الذي يليه، وحين انتهت عرضت اللوحة على الجميع بخجل مخافة ألا تعجبهم، وقالت إنها كانت منذ طفولتها تعشق هذا الفن إلا أنّ الظروف لم تسمح لها بممارسته.

شجعها الخطاط على الاستمرار، ثم بدأ يخط على مهَل عبارة “يا داميَ العينين والكفَّين إن الليل زائل”، فخطت على لوحة أخرى: “نحن نريد دولة مؤسسات لا دولة أمن”، وهي تشرد باتجاه طفولتها وصباها حين كانت تخربش بالألوان والأقلام على أوراق دراستها رسوما ستهجرها لاحقا بسبب ضغط الوقت وزواريب الحياة ومهنة الطب التي شغلتها عن كل شيء.

في تلك الأثناء وصل باقي أفراد التجمع إلى حديقة العلو، اكتمل العدد وبدأت المظاهرة. أم إبراهيم الخمسينية التي لم تشارك في مظاهرة كانت واقفة وسط مجموعة من رفيقاتها اللواتي يسكنَّ في ذات البناية، فقد تداعين للمشاركة حين رأين الفتيات الوافدات، كان عدد القادمين من أحياء حمص الموالية خمس عشرة فتاة وشاباً، وكان العدد الإجمالي حوالي خمسين شخصاً في بداية المظاهرة، فالناس لم يعتادوا على مظاهرة تنطلق من هذا المكان ساعة العصر، لكن لم تمرّ ربع ساعة حتى امتلأت الساحة بالناس الذين نزلوا من بيوتهم أو خرجوا من محلاتهم التجارية عندما شاهدوا أناساً ليسوا من الحي وسمعوا هتافات مدنية جديدة، هكذا أصبح تعداد المتظاهرين أكثر من مئتين، وبينما كانوا يمشون حول الحديقة أذَّن العصر فتوقفت المظاهرة لدقائق احتراماً للمصلين كما قال الهتيف.

(كل مرة بدي إطلع معكن وخطّطْ لوحات)، هذا ما قالته أم إبراهيم قبل عودتها إلى بيتها، وقد أصرت على أن تأخذ معها اللوحتين اللتين خطتهما معها، لتعيد النظر فيهما كي تتجنب الأخطاء في مظاهرات قادمة، لتتابع قائلة: ” شكلي رح اترك الطب و خطط لوحات بعد اليوم”.

 قالت سلام لرفاقها: (في وحدة من النسوان هون سألتني بالمظاهرة: إنتي شو؟، فجاوبتها: سورية، قالت: بعرف بس من وين؟، قلتلها: من الزهرا، قالت: يعني علوية!، ومسكتلي إيدي ورفعتها وزغردت، وأخدت رقمي مشان تعزمني عكل المظاهرات هون).

أحد الرجال حلف أن يبيت الشبان والفتيات في منزله، إلا أن الأمر كان مستحيلاً، ليس بسبب الوضع الأمني فحسب، بل بسبب أقاربهم وأبناء حاراتهم الموالية الذين إذا علموا بمجيئهم إلى الخالدية فسوف ينتهون إما مقتولين أو خلف قضبان إحدى فروع الأمن، لذلك تولّى ثلاثة مِمن يملكون السيارات إيصالهم إلى ساحة الساعة الجديدة “ساحة الحرية” حيث مركز مدينة حمص.

لقد حققت هذه المظاهرة الغرض الأبعد: ليس إسقاط النظام، وإنما اختلاط الناس ببعضهم واختبار كل منهم لطاقاته وإبداعه، إضافة إلى نشر الوعي بين أبناء الشعب الواحد، فهناك بذرة وعي وحضارة في الشعب السوري استطاع أن يحييها في أقسى الظروف، ومع أن الخالدية أصبحت الآن أطلالاً، و مع أن سوريا غرقت بالسلاح، و مع أنّه تمّ خنق السلمية وأصبحنا على مشارف الحرب الأهلية والتقسيم، إلا أن تلك البذرة نبتت ذات يوم، لذلك سوف تنبت دائماً، فبعد المظاهرة المذكورة، أصبح مجيء شباب حي الزهرا أو عكرمة للتظاهر في الخالدية أمراً مألوفاً ولا يثير الاستغراب، سواء كانوا من تجمّع نبض أو من غيره، أما أم إبراهيم فقد أصرّت على البقاء في الحيّ حتى سقط برميل متفجر بالقرب من منزلها، لتغادره مع أبنائها، وألمها، وبالطبع: اللوحات التي خطّتها ذات يوم.

لاتزال طبيبة الأسنان حتى اللحظة تتذكر أن الانتفاضة هي من أعادها إلى التخطيط الذي أحبته ذات طفولة، ولا تزال تذكر رجفّة قلبها حين خطّت عبارتها الحرة لأوّل مرة، ولذا لا تزال تخطط شعارات على الورق و أحلاما في الذاكرة، منتظرة أن تكتب بخط يدها حرية سوريا كاملة.

 

معلومات المادة

الايجابية: مهمة جداً.

شارك المقالة: